محمد سعيد رمضان البوطي

185

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

السيف فيهم قبل ساعات فقط من الزمن ، فمردّ ذلك إلى الإرادة الإلهية التي جعلت من هذه الموقعة كلها درسا بليغا للمسلمين ، جمع بين كلا مظهريه الإيجابي والسلبي في آن واحد . وفي هذا الختام الأخير المتمم لموعظة أحد نزل قوله تعالى : الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ ، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ، الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ، فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا : حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [ آل عمران 3 / 172 - 174 ] . يوم الرجيع ، وبئر معونة أولا - يوم الرجيع ( في السنة الثالثة ) : قدم وفد من قبائل عضل والقارة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يذكر أن أخبار الإسلام قد وصلتهم وأنهم بحاجة إلى من يعلمهم شؤون هذا الدين ، فبعث الرسول صلّى اللّه عليه وسلم نفرا من أصحابه ، وفيهم : مرثد بن أبي مرثد ، وخالد بن البكير ، وعاصم بن ثابت ، وخبيب بن عدي ، وزيد بن الدثنة ، وعبد اللّه بن طارق ، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت . روى البخاري بسنده عن أبي هريرة ، قال : « فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة ، ذكروا لحيّ من هذيل يقال لهم بنو لحيان ، فتبعوهم بقريب من مئة رام ، فاقتصوا آثارهم ، حتى أتوا منزلا نزلوه فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة ، فقالوا : هذا تمر يثرب ، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم فلما انتهى عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد ، وجاء القوم فأحاطوا بهم ، فقالوا : لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلا . فقال عاصم : أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر ، اللهم أخبر عنا نبيك ، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصما في سبعة نفر بالنبل ، وبقي خبيب وزيد ورجل آخر ، فأعطوهم العهد والميثاق . فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم فربطوهم بها فقال الرجل الثالث الذي معهما : هذا أول الغدر ، فأبى أن يصحبهم فجرروه وعالجوه ، على أن يصحبهم ، فلم يفعل فقتلوه . وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة : فاشترى خبيبا بنو الحارث ، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث يوم بدر ، فمكث عندهم أسيرا حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحدّ بها . قالت : فغفلت عن صبيّ لي ، فدرج إليه حتى أتاه ، فأجلسه على فخذه ، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذاك مني ، وفي يده الموسى . فقال : أتخشين أن أقتله ؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء اللّه تعالى . وكانت تقول : ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب ، لقد رأيته يأكل من